-

صراع الروایة بین المظلومیة الیھودیة والحق الفلسطیني

أحمد أبو رتيمة

كاتب وناشط فلسطيني

مقالات أخرى للكاتب عدد مقالات الكاتب [236]

أهمية كظم الغيظ في السلوك السياسي

مجرم من لا يصدع بكلمة الحق

الاتجاه النقدي والحاجة إلى تعزيزه

أبو مازن يضفي شرعية على تهويد القدس

ثقافة الاتجاه المعاكس

یقتلنا الاحتلال بالروایة قبل أن یقتلنا بالرصاص، ذلك أن الروایة التي ینسجھا توفر الغطاء السیاسي الذي یخفف وقع جرائمه في العالم وھو ما یوفر له فرصةً للتمادي في سیاساته الاستیطانیة و التھجیریة والعدوانیة. 

تأبى الفطرة الإنسانیة أن تقبل بالعدوان السافر والقتل المجرد، فلو ظھر جندي مدجج بالسلاح یقتل طفلاً أعزل لا یمثل خطراً علیھ لأدان العالم كله ھذه الحادثة، إذاً كیف یواصل الاحتلال جرائمه ضد الإنسانیة ویحظى بغطاء دولي في ذلك؟ 

تنسج دولة الاحتلال روایةً تخلط بھا الحقائق وتضخم بھا مظلومیتھا، وتضخم في المقابل خطر عدوھا فیقع كثیرون 

أسرى لھذه الروایة الصھیونیة، وھو ما یدفعھم للتغاضي عن جرائم الاحتلال مبررین ھذا الموقف بأن القضایا الكبیرة 

تتجاوز التفاصیل الصغیرة، ولو افتضح أمر مجزرة ارتكبھا الاحتلال فلن یجد الناطقون باسمه ضیراً من القول إن لكل 

حرب أخطاءھا، فھم یقرون بالخطأ حین یكتشف أمره لكنھم یضعونه في سیاق أكبر لیھونوا من إضراره بھم. 

ھناك عامل تاریخي یترافق مع تأسیس دولة الاحتلال، وھو المجازر التي ارتكبت بحقھم في أوروبا، وھو ما أوجد 

صورة الشعب المضطھد الباحث عن وطن قومي یؤوي إلیه ویحتمي بھ، ھذه الصورة أوجدت الغطاء الذي سمح بنشوء دولة الاحتلال وغض النظر عن مجازر التھجیر وسلب الأراضي والممتلكات بحق شعب فلسطین، فمظلومیة الیھود 

مثلت قوة دفع كبیرة سمحت بإنشاء دولة والاستمرار في دعمھا وتقویتھا، لذلك فإن مشروع الاحتلال في الوقت الذي يحرص فیھ على حیازة كل وسائل القوة العسكریة والاقتصادیة والسیاسیة، فإنھ یحرص في الخطاب الإعلامي على بقاء صورة المظلومیة لأن ھذه الصورة ھي التي تضمن استمرار الدعم الدولي وبقاء شعور الذنب في الوعي الغربي الجمعي تجاه الیھود وھو ما یتبعھ رغبة في ھذا الوعي الجمعي بالتكفیر عن ھذا الذنب باستمرار تدفق الدعم والنصرة لدولة الاحتلال. وكذلك فإن صورة المظلومیة الیھودیة تحرم الفلسطینیین من احتلال موقع المظلومیة وتشكیل وعي إنساني ينتبھ إلى ممارسات التھجیر والاستیطان والعدوان الواقعة على ھذا الشعب منذ قیام دولة الاحتلال على أراضیھ المسلوبة.

ھناك حركة تضامن عالمي واسعة النطاق مع الشعب الفلسطیني، وحتى في المستوى الرسمي فإن أكثر دول العالم تصوت لصالح الفلسطینیین في الأمم المتحدة، فھل یعني ھذا أن الفلسطینیین نجحوا في معركة الروایة؟ 

یقول المؤرخ الإسرائیلي الأصدق والأشد انحیازاً للعدالة إیلان بابیھ: "بینما السیاسات الإسرائیلیة تنتقد وتدان بشدة فإن طبیعة النظام الإسرائیلي والأیدیولوجیا التي تنتج ھذه السیاسات لا تستھدف من حركات التضامن.

النشطاء والداعمون یتظاھرون ضد مجزرة غزة عام 2009 وضد الاعتداء على الأسطول عام 2010 لكن لا یبدو أن 

أحداً یجرؤ على مھاجمة الأیدیولوجیا التي تقف خلف ھذه الاعتداءات. لا یوجد احتجاج ضد الصھیونیة، لأنھ حتى البرلمانات الأوروبیة ستعتبر مثل ھذا الاحتجاج معاداةً للسامیة. 

تخیل أیام جنوب أفریقیا العنصریة ألا یكون مسموحاً لك بالتظاھر ضد نظام الأبارتھاید ولكن یسمح لك فقط بالتظاھر ضد مجزرة سویتو التي ارتكبتھا حكومة جنوب أفریقیا!" 

ما یھمني من اقتباس إیلان بابیھ ھو أن علینا أن نطرق القضایا الكبرى وندخلھا إلى دائرة الحضور العالمي، فلیس أقصى أمنیاتنا أن یتعاطف العالم مع القتلى والجرحى الذین یسقطون برصاص الاحتلال إذ إن ھذا التعاطف مؤقت یزول بعد ساعات أو أیام، لكن مسعانا یجب أن یتركز على خلق وعي عالمي حول أم القضایا وھي المشروع الصھیوني وطبیعتھ لاستیطانیة الإحلالیة وكیف تحول ملایین الفلسطینیین منذ سبعین عاماُ إلى مظلومین یدفعون ثمن ھذه المظلومیة 

الیھودیة!

ھذه الملاحظة التي ینبھ إلیھا المؤرخ الإسرائیلي الشجاع إیلان بابیھ نبھني إلیھا أیضاً الأسبوع الفائت صدیق كندي متضامن مع حق العودة في أعقاب نشر صحیفة نیویورك تایمز تقریراً یثبت إدانة الاحتلال في قتل المسعفة الشھیدة رزان النجار؛ قال لي إن التیار الأوسع من الصھیونیة اللیبرالیة في أمریكا الشمالیة قد لا یتفقون مع سیاسات حكومة الاحتلال وقد یدینون إفراطھا في استعمال العنف أو في حصار غزة، لكنھم یتفقون على ضرورة دعم دولة إسرائیل وطناً قومیاً للیھود، ومدى تعاطفھم مع الشعب الفلسطیني یقع في حدود الأراضي الفلسطینیة المحتلة منذ عام 1967 لكن لا أحد يذكر حق عودة اللاجئين الفلسطينيين. 

 ویواصل الصدیق الكندي إنھ حتى خطاب السلطة الفلسطینیة ذاتھا لا یتطرق إلى قضیة اللاجئین .


ھذا ینبھنا إلى ضرورة إعادة الاعتبار إلى قضية اللاجئين في تصدیر روایتنا إلى العالم، فالأسس التي قام علیھا المشروع الصھیوني منذ أول یوم مثلت جریمةً بحق ملایین الفلسطینیین الذین لا یزالون یدفعون ثمن جریمة الطرد و التھجیر وسلب ممتلكاتھم إلى الیوم في مخیمات البؤس والشتات. 

من المفید في الخطاب الإعلامي الفلسطیني الفصل بین الیھودیة والصھیونیة، فالخوف الیھودي من تكرار رعب الھولوكوست ھو خوف حقیقي ویمثل عاملاً رئیساً من عوامل رفض حق العودة حتى من قبل الذین یصنفون بأنھم حمائم سلام مثل عاموس عوز أحد أھم رموز الیسار الإسرائیلي الذي توفي الأسبوع الماضي، إذ كان ھذا الرجل قد كتب في حیاتھ:

 " الیھود والعرب یستطیعون بل یجب أن یعیشوا معاً، لكن من غیر المقبول مطلقاً أن یتحول الیھود إلى أقلیة تحت حكم العرب ، لأن معظم الأنظمة العربیة في الشرق الأوسط تضطھد الأقلیات وتذلھم، والأھم من ذلك: لأني أصر على حق الشعب الیھودي مثل أي شعب أن یكونوا أغلبیةً ولو في قطاع صغیر من الأرض." 

ھذا الرفض العمیق لحق العودة من الغالبیة العظمى من مختلف أطیاف المجتمع الإسرائیلي بدافع الخوف الدفین من الغرق في بحر من الأعداء ینبغي أن یواجھ بخطاب فلسطیني لا ینكر حق الیھود في العیش بأمان وسلام، بل یرفض أن يكون تحقیق الأمن للیھود على حساب شعب آخر سواءً الشعب الفلسطیني أو غیره. إن من المشروع أن یشعر الیھودي بالقلق من المستقبل وأن یساعده العالم بتقدیم ضمانات لتوفیر الأمن والحمایة لھ، لكن لیس من المشروع مطلقاً أن یكون ذلك على حساب ملایین اللاجئین المشردین وسرقة الأرض واستمرار سیاسات التھجیر والاستیطان والعدوان.

إذا كانت دولة "إسرائیل" قد غدت أمراً واقعاً یجب الاعتراف بھ، فإن معاناة سبعة ملایین لاجئ فلسطیني منذ سبعین عاماً إلى الیوم والذین لا یزالون ینتظرون عودتھم إلى أراضیھم وممتلكاتھم التي ھجروا منھا قسراً ولم یقبلوا بالتوطین في الغربة ھو واقع أیضاً یجب تقدیم حلول عادلة لإنھائھ.

كان یمكن القبول بفكرة "یھودیة إسرائیل" – تجاوزاً- لو لم تكن على حساب مأساة شعب آخر، أما وأن ھذه الدولة 

أسست على أنقاض القرى والممتلكات التي لا یزال أھلھا یناضلون في سبیل العودة إلیھا فإن الحدیث عن الیھودیة ھو تكریس لواقع التطھیر العرقي والتمییز العنصري وجرائم الحرب، وكون الیھودي مظلوماً في تاریخھ لا یبرر لھ أن 

یتحول إلى ظالم مضطھِد لشعب آخر، لذلك لا مناص من تخلي الیھود عن الفكر الصھیوني كونھ فكراً عنصریاً عدوانیاً استیطانیاً بالضرورة وقبولھم بالتعایش السلمي مع السكان الأصلیین بعد استعادة أراضیھم وممتلكاتھم المسروقة، أما المخاوف الیھودیة من التحول إلى أقلیة مضطھَدة فیمكن معالجتھا عبر توفیر ضمانات دولیة لحقھم في العیش بأمن وسلام بعد إعادة الحقوق للسكان الأصليين.

كلمات مفتاحية