على كورنيش غزة حيث الشاطئ المحاصر تجتمع أطياف الناس من كل الأصناف، تتجسد غزة بطبقيتها الذي افرزها حصار الاحتلال وعقوبات السلطة حتى أصبح فيهم:" حبة فوق وحبة تحت".

 هنا حيث تتسابق الأقدام وتتعاكس على طريق بين الرمل والاسقلت، تظهر بطالة الشباب الهائم على وجهه، ومثابرة أولئك الباحثين عن الرزق على عربة الذرة.

 في مشهد آخر ينزوي فتى متواريا عن اشعة الشمس الصفراء يخفي وجهه المكسور تحت طاقية، ربما يفكر في الانتحار حزنا على معشوقة من صناعة السوشيال ميديا، أو قهرا لأنه لا يمتلك هاتفا ذكيا حديثا مثل أقرانه، فقرر أن ينهي حياته حزنا على "موبايل".

المشهد يكتمل عندما يباغتك طفل يحمل في يديه قطعة بسكويت يتسول بها المال، ويتوسل أن تشتريها رغم ما أصابها من إنهاك بين يديه أو ذبول تحت الشمس، ولا تزال تلاحقك دعوات الطفل بأن تصيبك رحمة الله ورضاه، ويعطيك من رزقه، حتى يشعرك بالذنب، وكأنك سبب في دفعه نحو الشارع للتسول، فإما أن تدفع، او تتصدق بكلمات لا تسمن او تغنيه من جوع.

ثم تدفعك كتف شخص يمر بجوارك مهرولا، لتكتشف انه يتريّض، ثم آخر يجري، حتى يبدو ان كل غزة تمارس رياضة المشي او الجري، كانها رسالة من الناس ان لديها أملا في الغد وتتهيأ له جسديا، او تتعالج به نفسيا من الواقع خشية ان يقضي عليهم اليأس.

في هذه الأثناء ومع هدوء الكورنيش لا يقطعه سوى صوت الموج أمام جمال زرقة البحر، تقتحم موسيقى صاخبة الآذان، تلفت الانتباه إلى مصدرها، فاذا بها تخرج من سيارة "سبورت"، إنه أحد "برجوازيي" غزة الذي يرى المدينة والناس من خلف نظارة سوداء او من خلال شباك سيارة، يستعرض رفاهيته على الكورنيش وقد جلست الى جانبه"المزة"، يخاطبونا بلغتهم عبر سماعات السيارة المرتفعة: "دوم دوم تاك" ثم يجبرون المارة على سماع كلمات اغنية: قاعد لوحدك كده سرحان

الشيطان يوزك في سكة شمال

يفضل يقولك العب يلا

العب يلا ماتلعب يلا

هكذا يجتمع على الكورنيش اللعب والسرحان وأهل اليمين وأهل الشمال وبينهم جميعا يكمن الشيطان.

المصدر/ صحيفة الرسالة